
في ركن هادئ بأحد المقاهي بمدينة الرباط دار بيني وبين مسؤول يُفترض فيه السهر على تطبيق القانون بصفته أحد وكلاء جلالة الملك، نقاش تحول إلى لحظة مكاشفة صادمة. فحين سألته مستفسراً عن ظروف عمله، وهل يملك الوقت الكافي للتدقيق في الملفات وإجراء الأبحاث الضرورية للتأكد من المعطيات كان جوابه مذهلاً بكل المقاييس: « لا، لا، ما عندناش مشكل وقت. لأننا نشتغل في إطار ‘التوجه العام' » قررت تلقائيا أن أضع حداً لهذا النقاش وأغادر، وحين حاولت الوقوف استوقفني متسائلاً عن سبب امتعاضي، فقلت له بوضوح وبشيء من الحزن « أنت كرجل مسؤول عن تطبيق القانون باسم جلالة الملك ،وانت شاب لازلت في مقتبل العمر،تقول بكل قناعة إنك تشتغل في اطار ‘الاتجاه العام’ ولم تذكر كلمة القانون بتاتاً. هذا الاتجاه العام يا سيدي قد يكون صائباً أو خاطئاً، قد تكون له علاقة بالقانون وقد لا تكون، بل وربما يكون ضده ». فكانت ردة فعله ببساطة: « هذه هي الدولة التي نشتغل في إطارها. وإذا لقات الدولة ناس كيشوشوا عليها وما تيخليوهاش تشتغل في الطريق اللي اختارت، فعلينا معاقبة هؤلاء المشوشين ».
إن خطورة هذا التفكير لا تقف عند حدود هذا الحوار، بل تكمن في كونه أصبح يهيمن على معظم مستويات الدولة؛ من حكومة، وأطر، ومؤسسات، حيث أصبح شبه الكل يشتغل تحت تاتير « التوجه العام »السائدوالمهيمن . والأمثلة ليست بالعشرات أو المئات بل بالآلاف؛ فكل ما نعيشه يومياً يصب في اتجاه قرارات تُتخذ تحت هذه المظلة. وإذا سألت: ما فحوى هذا « الاتجاه العام »؟ لا أحد يجيبك بوضوح ،كونه شيئاً غير مكتوب وغير معلن من طرف أصحاب القرار، لاكنه فرض وجوده كاستنتاج لرغبة صاحب القرار. وتتضاعف الخطورة حين يكون هذا الاستنتاج خاطئاً، فنجد رجال السلطة التنفيذية من خلاله يتصرفون بجهالة ووقاحة، مقتنعين بأنهم يطبقون التعليمات الملكية
ولتوضيح فداحة هذا العبث، استحضر واقعة معبرة من إحدى الانتخابات التشريعية السابقة. سألت مواطناً بسيطاً من نواحي مراكش، كان يصلح عطلاً في بيتي: « هل شاركت في الانتخابات الأخيرة؟ ولمن صوّتّ؟ » أجاب بأنه صوّت لحزب العدالة والتنمية. وحين سألته على أي أساس، قال: « صوّتّ ضداً على ما طُلب مني ». فقد طرق رجل السلطة بابي بيتي ليقول لي كتوجيه مغلف بشيء من التهديد : « أفلان، شوف، غادي تصوت على الحزب الفلاني (طبعا حزب الأصالة والمعاصرة) »، مبرراً ذلك بأن « سيدنا كيقول لكم تصوتوا على هذا الحزب ». لكن وعي هذا المواطن البسيط كان في الصميم (فتحياتي بهده المناسبة لساكنة مدينة مراكش) حيث اجابه بحسم: « حنا ما غنمشيوش ضد التوجهات الملكية، ولكن جلالة الملك قال في إحدى خطبه الرسمية الأخيرة بكل وضوح إنه لا ينتمي لأي حزب وانه يقف على مسافة واحدة من جميع الأحزاب. فهل تريدني أن أعمل بكلام جلالة الملك المعلن أم بكلامك اسي القايد »
هذا الحدث يقودنا إلى استنتاج خطير: إما أن هناك مواقف عامة مكتوبة ومعلنة يقابلها سوء تصرف وتأويل من رجال السلطة، أو أن هناك رغبة غير مكتوبة تتناقض تماماً مع ما هو معلن رسمياً. وهنا يكمن الخلل الأكبر؛ فقد أصبح المواطن تائهاً بين ما يراه ويقاسيه يومياً، وبين ما يسمعه في الخطابات الرسمية.
معظم الخطابات ركزت على ضرورة التسيير السليم للشأن العام، ودستور 2011 واضح جداً في مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة مثلاً. لكن في الواقع، وخاصة في ظل الحكومة الحالية، نرى اتساعاً مخيفاً لهذه الهوة بين منطوق الخطابات الملكية والممارسة الميدانية.
لا يمكن لدولة المؤسسات أن تُبنى على « استنتاجات » مزاجية تتستر خلف توجهات هلامية تحت يافطة « التوجه العام »، تغتال سيادة القانون.
سؤال موجه إلى الناخب والمنتخب، قد يبقى بدون جواب، كون « الاتجاه العام » يرفض طرح مثل هذه التساؤلات.
وكما يقول أحدهم في متم كلامه: الله غالب.
تحياتي.
ادريس غالي الكتاني
مهندس الدولة وسفير سابق
