
ظهر السيد فوزي لقجع في مقطع فيديو يعلن فيه بدء سلسلة من الفيديوهات لتفسير عملية التواصل، وشرح كل الأمور المرتبطة بقراره خوض غمار العمل السياسي. وقد ركز في هذا التدخل الإعلامي الأول على فكرة أساسية مفادها أن مهامه كوزير مكلف بالميزانية تنتهي عند إعدادها، وأنه بعد المصادقة عليها من طرف البرلمان، يصبح كل وزير هو المسؤول عن تطبيق ما جاء فيها حسب الصلاحيات المخولة له.
هذا التبرير يجعله يبدو وكأنه غير معني بالقرارات التي أصبح ينتقدها اليوم ويبشرنا بأنه سيعمل على تفاديها مستقبلاً، مستدلاً على ذلك بملف « الفراقشية »، ومتجاهلاً في الوقت نفسه القرارات الخطيرة الأخرى التي اتخذتها الحكومة وكأنها لا تعنيه بشيء.
لقد تناسى السيد لقجع أنه عضو في هذه الحكومة، وأن قراراتها تُتخذ بموافقة أعضائها، أي بموافقته الشخصية. والمثير للاستغراب أن وزراء آخرين في نفس الحكومة، وعلى رأسهم السيد نزار بركة، أصبحوا بدورهم يعارضون قرارات حكومتهم وكأنهم كانوا غائبين عن اجتماعاتها!
فهل يحق للسيد لقجع ومن والاه، من الناحية الدستورية والسياسية، توجيه أي انتقاد علني لقرار تمت المصادقة عليه داخل مجلس الحكومة بحضوره، حتى وإن عارضه بشدة أثناء النقاش؟ هل يجهل أنه بمجرد اعتماد أي قرار في مجلس الحكومة يصبح ملزماً لجميع الوزراء بناءً على مبدأ « التضامن الحكومي »؟ وهل نسي أو تناسى أن أي قرار صادر عن المجلس يمثل الحكومة كجهاز تنفيذي موحد ولا يُنسب لوزير بعينه أو لحزب دون آخر؟
فإذا كنت يا سيد لقجع ترى حقاً في عملية « الفراقشية » أي خلل، وإذا كان هذا القرار يتعارض فعلاً مع قناعاتك بحيث ترفض تحمل مسؤوليتك التضامنية بشأنه، فما كان عليك إلا تقديم استقالتك ومغادرة الحكومة قبل الخروج علناً لانتقاده.
إن خروجك اليوم لمهاجمة قرار حكومي وأنت لا تزال تمارس مهامك الوزارية يُعد إخلالاً جسيماً بالانسجام والتضامن الحكوميين. ولو كانت الحكومة قادرة على فرض تطبيق اختصاصاتها، لقام رئيس الحكومة باقتراح إعفائك من مهامك فوراً.
فأين نحن اليوم من رجال الدولة المعتبرين الذين يضعون المبادئ فوق المناصب؟
استحضار في هذا السياق الموقف التاريخي للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، حين كان يشغل منصب وزير دولة في حكومة جوزيف لانييل سنة 1953. فقد فضل ميتران تقديم استقالته من الحكومة لكونه لم يوافق على قرار المجلس الحكومي القاضي بعزل جلالة الملك محمد الخامس ونفيه مع عائلته إلى كورسيكا ومنها إلى مدغشقر.
وحتى لو كنت، يا سيد لقجع، مجرد مدير للميزانية ولاحظت أن أموالاً من ميزانية الدولة ستصرف عبثاً في ملف الفراقشية وفي ملفات اخرى ، فقد كان الأجدر بك أن تثير انتباه مسؤوليك كتابةً. تماماً كما فعل السيد عبد اللطيف الجواهري أواخر سنة 1974؛ حينما كتب مذكرته التحذيرية الشهيرة بخصوص سير ميزانية الدولة وهو مجرد مدير ببنك المغرب. وهي المذكرة الشجاعة التي تداولها مجلس حكومة السيد أحمد عصمان (أطال الله عمره)، والتي تابعتُ شخصياً مسارها وتداولها آنذاك بصفتي مدير ديوان المرحوم عبد اللطيف الخصاصي، وزير التجارة والصناعة والمعادن والملاحة التجارية.
فأين نحن اليوم من أولئك الرجال الذين يجسدون بحق المعنى الحقيقي لكبار أطر الدولة الأكفاء
. إن هذه الازدواجية مع كامل السف في الخطاب السياسي باتت استراتيجية عامة للتنصل من المحاسبة، فكلامك يا سيد لقجع مردود عليه، وكفانا مغالطات
ادريس غالي الكتاني
